ملا محمد مهدي النراقي

488

انيس المجتهدين في علم الأصول

محلّين ، كما في الكيل وتحريم التفاضل ؛ فإنّ أحد جزءيه - وهو الطرد - تحقّق في البرّ مثلا ، والآخر - وهو العكس - يتحقّق في الثياب مثلا . وقد اختلف في إفادته للعلّيّة على أقوال « 1 » ثالثها : أنّه يفيدها ظنّا لا قطعا « 2 » . وهو الحقّ ، إلّا أنّ مثل هذا الظنّ لا يصلح أن يكون مؤسّسا لحكم شرعي . فعلى هذا يحكم بثبوت جميع الأحكام الدائرة مع الأوصاف في الموادّ المخصوصة التي ثبت فيها الترتيب من الشرع ، ولا يقطع بعلّيتها لها حتّى أمكن القياس عليها ، فيبطل قياس الطرد المركّب . ثمّ لمّا كان العمل في المحالّ التي ثبت فيها الدوران بقول الشارع لما به ، فلا يتحقّق العمل بنفس الدوران ، كما لا يجوز العمل بالقياس على محالّه . هذا . ولنا على ما اخترناه أنّ الحادث لا بدّ له من علّة ولم يظفر بعلّة غير المدار ، فبضميمة أصالة العدم يحصل الظنّ بعلّيّة المدار . وأيضا إذا وجد الدوران ولا مانع من العلّيّة من معيّة ، كما في المتضايفين ، أو تأخّر كما في المعلول ، أو غيرهما ، كما في الشرط المساوي حصل الظنّ بها ، وذلك ممّا يقضي به العادة ؛ ويؤكّده أنّه إذا دعي الإنسان باسم مغضب فغضب ، ثمّ ترك فلم يغضب وتكرّر ذلك ، علم عادة أنّه سبب الغضب ، ولا يفيد القطع بالعلّيّة ؛ لجواز عدم احتياج الحكم الدائر إلى العلّة ، أو كون العلّة غير المدار ، أو قصر علّيّته على محلّ الدوران . واحتجّ من قال بإفادته للعلّيّة قطعا « 3 » بأمثال ما ذكرناه ، وهو لا يفيد أزيد من الظنّ ، كما عرفت « 4 » . واحتجّ من أنكر إفادته للعلّيّة مطلقا بوجهين : أحدهما : أنّ الطرد لا يؤثّر ، والعكس لا يعتبر « 5 » . أمّا الأوّل ، فلأنّ الاطّراد أن لا يوجد الوصف بدون الحكم ، ووجوده بدونه هو النقض . فالاطّراد هو السلامة عن النقض ، وهو أحد مفسدات العلّة . والسلامة عن مفسد واحد

--> ( 1 ) . حكاها الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 330 . ( 2 ) . نسبه الآمدي إلى القاضي أبي بكر الباقلاني في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 330 . ( 3 ) . حكاه الرازي في المحصول 5 : 207 ، والآمدي عن بعض المعتزلة في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 330 . ( 4 ) . تقدّم آنفا . ( 5 ) . قاله الغزالي في المستصفى : 315 ، والآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 330 ، والعلّامة في تهذيب الوصول : 257 .